::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::
أهلا وسهلا بكم في
*مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين*
كن عضوا فاعلا في الملتقى وستجد ما يسركـ

::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::

مديري الموقع : أ.محمد الاشقر.
أ.مهند الاشقر.










موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

اذهب الى الأسفل

موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

مُساهمة من طرف الإدارة والإشراف في 14/5/2011, 11:54 pm

أخي الكريم هذا موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة ويحتوي على آلاف الخطب المتنوعة في جميع المواضيع

وتنزي الخطب سهل جدا

http://www.islamdoor.com/k/

اللهم انفعنا بهذا العلم جميعا

التوقيع :::::::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::::::: ______________________________________________________________________________________________________
avatar
الإدارة والإشراف
الإدارة
الإدارة

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 445
نقاط : 3989
احترام القوانين :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
العمر : 29
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : أستاذ رياضيات

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

مُساهمة من طرف الإدارة والإشراف في 14/5/2011, 11:55 pm

يهود اليوم كيف فضحهم القرآن
الحمد لله العظيم في قدره العزيز في قهره العالم بحال العبد في سره وجهره
الجائد على المجاهد بنصره وعلى المتواضع من أجله برفعه يسمع صريف الأقلام
ويرى دبيب النمل في فيافي قفره ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره

أحمده على كل القضاء حلوه ومره وأستغفره من كل الذنوب وأتوب إليه
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له إقامة لذكره وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله المبعوث بالدين الحق إلى الخلق في بره وبحره صلى الله عليه وعلى آله
وأتباعه وصحبه ,وسلم تسليما إلى يوم الدين..

أمابعد/

فاتقوا الله أيها المؤمنون،،

عباد الله : لازالت دماء غزة تحرك قلوبنا فمن يستطيع أن ينسى صور الأطفال الذي ذبحوا بغير جرم أو الذين فقدوا أسرهم أمام أعينهم
من يستطيع أن ينسى أينما ذهب صورة الأم التي ماتت وهي تحمى ابنها بجسدها أو
صور المصلين الذين هدم مسجدهم عليهم فماتوا وهم في صلاتهم أو صورة المسن
الذي مات في المدرسة وهو يدرس ,إنها مآسي يشيب لها الولدان ويعتصر لها قلب
كل إنسان

وإننا بقدر مانحزن لما حل بإخواننا من المأساة إلا أننا نستبشر بعودة الروح
الإسلامية في قلوب المسلمين فقد بات حديث الأقصى وفلسطين وعداوة اليهود
للمسلمين تعمر المجالس

الجميع بات يتألم لحال إخوانه ,والصغار فضلا عن غيرهم يحترقون للنصرة
,والمسلمون في دول خارجية كثيرة اجتمعوا على هذه القضية بعدما طالت فرقتهم
وعادوا لدينهم بعدما كان الكثير مسلما بالهوية فعلّمتهم الأحداث من هم
أعداءهم وشهدت المساجد هناك حياة وعودة في دورها وتعداد روادها واستذكر
الجميع قول ربهم <وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد
>

ولو أدرك العدو قدر ما تبثه وتحييه هذه الهجمات في قلوب المسلمين لما أقدم
.فلئن مات في فلسطين المئات فإنها أحييت في كل مكان مئات الآلاف ولئن تألم
المسلمون هناك بفقد أرواح فإن هناك قلوبا هنا وهناك قد حيت ,ولئن تألم
المسلمون بفقد أناس فإن الله أذاق عدوهم نكالا و(إن تكونوا تألمون فإنهم
يألمون....)

أيها المسلمون :

من منا يغيب عنه تاريخ الغدر والخيانة لليهود مع المسلمين .من منا يجهل خبر
بني قينقاع حين كشف احدهم ثوب امرأة مسلمة فقتله المسلم فقتل اليهود
المسلم ونقضوا العهد

من منا يجهل خبر بني النضير حين أرادوا الغدر برسول الله وقتله وإلقاء
الحجر عليه من الجدار وقد أتاهم .وما خبر قريظة عن هذا ببعيد,إن المتحدث عن
اليهود متحدث عن الخيانة والحقد في أوضح صورها

لكننا اليوم نتجاوز كل هذا التاريخَ المظلم لهم لنقف مع أعظم كتاب واشرف
كلام وعن حديث الله في القرآن عن اليهود ,وكلُ تالٍ للقرآن يرى الكمّ
الكبير من الآيات في أخبار يهود وصفاتهم وما ذاك إلا ليحذر المسلمون من
الانخداع بهم .ويهود اليوم ما هم إلا امتداد ليهود الأمس وصفات اليهود في
القرآن تنطبق عليهم أينما وجدوا في كل عصر وقطر

ألم يحدثنا القرآن عن جبن اليهود وخوفهم وأنهم ( لَا يُقَاتِلُونَكُمْ
جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍبَأْسُهُمْ
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لايعقلون ) والواقع يؤكد هذا المعنى لكنهم تشجعوا حين
جعلوا الأسود في القفص.

ألم يحدثنا القرآن عن خيانتهم للعهود، .. ويقول واصفا معاهداتهم "
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وقال مبينا نهاية كل معاهدة معهم (ولاتزال
تطلع على خائنة منهم ) وإذا كان هذا حال يهود الأمس فإن يهود اليوم هم
أصحاب عبارة: " لا يوجد وعود مقدَّسة" وهل وفى اليهود لأحدٍ بعهد, ومهما
توالت قرونهم فتبقى الحقيقة القرآنية ثابتة قالها عالم الغيب والشهادة
والقرآن يبين أمرا درج عليه سابقوهم وهو قتلهم خيرة الناس من علماء ودعاة..


وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: " ويَقْتُلُونَ الَذِينَ يَأْمُرُونَ
بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وتاريخهم في قتل الأنبياء أسود ,ولولا أن الله
حفظ منهم نبيه عليه السلام وقبل ذلك عيسى عليه السلام لسعوا في قتلهم ,
ويهود اليوم وتاريخهم في ذلك لم يعد خافيا وفي ذلك يقول أحد زعمائهم:إن
المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن العرب لابد أن
يبادروا ذات يوم إلى التعاون معنا ولكن هذا التعاون لن يتحقق إلا بعد
القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم
العربي وفي مقدمة هذه العناصر رجال الدين المتعصبين والقرآن يبين أن اليهود
قد أساؤوا الأدب مع الله واجترؤوا عليه ولذا استحقوا أن يخصهم باللعنة
والغضب فهم المغضوب عليهم وهم الملعونون على لسان الأنبياء"لعن الذين كفروا
من بني إسرائيل على لسان داوود...."

لقد وصفوا الله بالنقائص وصفوه بأنه بخيل وهم كرماء وأنه فقير وهم الأغنياء
وأنهم شعبه المختار وأنهم أبناؤه وأحبابه وأن عزيرا ابنُه ,ومازال يهود
اليوم يقولون ما يقوله أسلافهم

والقرآن يخبرنا أنهم تنطوي قلوبهم على البغض لكل مسلم "لتجدن أشد الناس
عداوة ...."فلا ننتظر منهم رحمة للأبرياء ولا نتوقع منهم رأفة بمن يدينون
بالإسلام بل قلوبهم منطوية على حب التشفي منهم

وإننا اليوم يوم نقاتل اليهود فليس ذلك إلا لأجل الدين ولن يقف الصراع حتى
يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ,وهم يصرحون بذلك في أحاديثهم وقد وقف أول
رئيس وزراء لدولة الكيان في هيئة الأمم المتحدة بعد اعتراف العالم بما يسمى
بدولة إسرائيل ، فقال أمام العالم كله: قد لا يكون لنا في فلسطين حقّ من
منطلق سياسي أو قانوني، ولكن لنا في فلسطين الحق من منطلق وأساس ديني ، فهي
أرض الميعاد الذي وعدنا الله وأعطانا إياها من النيل إلى الفرات، وأنه يجب
الآن على كل يهودي أن يهاجر إلى أرض فلسطين ، وأن على كل يهودي لا يهاجر
اليوم إلى إسرائيل بعد إقامتها أن يعلم أنه مخالف للتوراة وأنه يكفر كل يوم
بالدين اليهودي .

ثم قال: لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل، ولا معنى
لقيام دولة إسرائيل بدون فلسطين، ويوم أن تنازل اليهود عن أريحا رأى البعض
أن ذلك تقدما والواقع أنهم ما تركوها إلا لأن في توراتهم المحرفة ملعون من
سكن أريحا ونصب أبوابها ,ولذا كانت هذه المدينةُ هي مدار التفاوض عندهم
غالبا وبعد هذا كله :

فيوم أن تُذكَر أحوال يهود وصفاتهم في القرآن فليس ذلك لمجرد الحديث عن أمة
خلت وشرعة بدلت بل هو حديث لابد أن تأخذ منه أمةُ الإسلام العبرة لكي تحدد
علاقتها مع يهود وتعرف حقيقة عدوها

الخطبة الثانية

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده أمابعد

إننا ونحن نرقب حال المسلمين واستذلالهم فلربما تساءلنا أين موعود الله بنصرة من أطاعه

أين قوله سبحانه (وكان حقاعلينا نصر المؤمنين )

والله لايعجزه في طرفة عين أن لا يبقي من الكافرين ديارا ولوشاء لجعل الناس
أمة واحدة ولكن سنته تقتضي أن تبقى المداولة بين الخير والسر وبين أولياءه
وأعداءه ليميز الخبيث من الطيب ويتبين أهل الجنة من النار وأتباعه وأتباع
الشيطان

ولقد بين الله لنا في القرآن طريق النصرة فمتى ماسلكه المسلمون نصرهم وأعلى
رايتهم ويوم أن تحيد عنه الأمة فقد تهزم لا لأن الحق مع غيرهم وإنما لحكمة
يعلمها الله ومن باب (فبإذن الله وليعلم المؤمنين)(وليذيقهم بعض الذي
عملوا لعلهم يرجعون )

إن الله بقول (ولينصرن الله من ينصره) وهو وعد لايتخلف فمَن هؤلاء الذين
ينصرون الله ,ماصفتهم لنطبقها على أنفسنا ونرى هل نحن أهل للنصرة أو لا؟

(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ....) فهم محافظون على الصلاة
مؤدون للزكاة آمرون بالمعروف وحينما تتوجه القلوب إلى الله وحده فهي حرية
بأن تنتصر وقد قال ابن تيمية : لما قدم التتر إلى دمشق خرج الناس يستغيثون
بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم وقال بعض الشعراء ... يا
خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر ...فقلت لهم هؤلاء الذين تدعونهم
لايدفعون عن أنفسهم و جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز و جل
والاستغاثة به وأنهم لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي
مرسل فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم
نصرا عزيزا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا لمّا صح من تحقيق
توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك فإن الله تعالى ينصر
رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .اه.

ويوم أن يحقق المسلمون العدل مع أنفسهم وفيما بينهم ومع من هم تحت أيديهم
كلُ بحسبه فهم أهل للنصرة ويوم أن يحل الظلم بين المسلمين فذلك نذير شر وفي
هذا قال ابن تيمية : عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ
كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى : " { اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ
الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ
الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً}ا.ه

ويوم أن تجتمع كلمة المسلمين وتتصافى قلوبهم ويتناسون خلافاتهم فهم أهل
للنصرة (ولاتنازعوا فتفشلوا )ويوم أن يعود الناس لربهم ويصلحوا مع الله
حالهم فهم أهل للنصرة (وماأصابكم من مصيبة فبماكسبت أيديكم )(أولما أصابتكم
مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)

فلاتلقِ اللوم على غيرك فأنا وأنت ربما كنا سببا في تأخر النصرة للمسلمين.

وبعد معاشر المسلمين:

فنحن على يقين بموعود الله وعلى اعتقاد بأن مايحدث من شيء فهو بإرادة الله
وعلى ثقة بنصر الله وأن البشر كلهم تحت تدبير الله ,فلنكن ممن يضع لبنة في
بناء الإسلام بإصلاح أنفسنا ومن حولنا فالأمة لاتريد من يتابع أحوالها وهو
مازال في تقصيره وعصيانه نما تريد منا العمل وإصلاح الجيل وتصحيح الاعتقاد
وحينها فمن يدري فلربما كنت أنت أو ولدَك ممن يحرر الأقصى ويرفع راية
الإسلام.

التوقيع :::::::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::::::: ______________________________________________________________________________________________________
avatar
الإدارة والإشراف
الإدارة
الإدارة

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 445
نقاط : 3989
احترام القوانين :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
العمر : 29
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : أستاذ رياضيات

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

مُساهمة من طرف الإدارة والإشراف في 14/5/2011, 11:55 pm

الغناء والموسيقى


الخطبة الأولى

الحمد لله ذي القدرة القاهرة، والآيات الباهرة، والآلاء الظاهرة، والنعم
المتظاهرة، حمداً يؤذن بمزيد نعمه، ويكون حصناً مانعاً من نقمه،وأشهد ان
لاإله الا الله وحده لاشريك له , وصلى الله على خير الأولين والآخرين، من
النبيين والصديقين، محمد النبي، والرسول الأمي، ذي الشرف العلي، والخلق
السني، والكرم المرضي، وعلى آله الكرام، وأتباعه سُرج الظلام، ما امتد
الدهر وتعاقبت الأيام. وبعد: فيا أيها المسلمون الزموا التقوى، في السر
والجهر، والخفاء والعلن.وراقبوا الذي لاتخفى عليه خافيه في الأرض ولافي
السماء {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون} [آل عمران:102].. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا
سديدا } [الأحزاب:70]. :

عباد الله:

تقول العامة: إذا كثر الإمساس قلّ الإحساس ويقول العلماء إذا استسهل المرء
الوقوع في المعصية جرأه ذلك على غيرها ,ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام(إن
العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب
سقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله { كلا بل
ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } )) سنن الترمذي - (5 / 434)

ولقد بليت كثير من مجتمعات الإسلام بمعصية عمّت وطمت وفشت بين الناس
وانتشرت حتى مع كثرة الإمساس بها استُسهلت , فتن بها كثير من الرجال
والنساء ,والأطفال وحتى الشيوخ –شيوخ العمر لا شيوخ العلم-واكتوى بشرها حتى
من لايريدها .. إنها معصية الغناء والموسيقى.

اقتحمت كثيرا من بيوتنا ولم تسلم منها مساجدنا ولها في الإذاعات والقنوات
نصيب وافر ,حتى أصبح لها رواج كبير ونتج منها الشر المستطير, وصفها الصحابة
-وهم العارفون-بأنها رقية الزنا ومُنبت النفاق ، وشَرَك الشيطان،وقرآن
إبليس وخمرة العقل،والصوت الفاجر.

ويعجب المرء وهو يرى التكالب على هذه المعصية والتهاون بهذا الصوت المحرم
إن في الإعلام أو حتى في أجهزة الاتصال ,مع ماورد من التحذير منه عن رسول
الله وأصحابه ففي القرآن يقول الرحمن(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ...)
قال عبد الله بن مسعود:هو الغناء، والذي لا إله إلا هو، يردّدها ثلاث
مرّات( تفسير الطبري - (20 / 127)وروي ذلك عن ابن عباس وجماعة من الصحابة.

وفي أقوال رسولنا مارواه الأشعري "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر
والحرير والمعازف " وماخرّجه الترمذي عن عمران بن حصين : أن رسول الله صلى
الله عليه و سلم قال: (في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين يا
رسول الله ومتى ذاك ؟ قال إذا ظهرت القينات والمعارف وشربت الخمور)صححه
الألباني سنن الترمذي - (4 / 495)

ولقد كان العقلاء من الناس ينأون بأسماعهم عن الغناء لما يورثه من النقص في
الخلق والعقل بله الدين ,واسمع لكلام يزيدَ بن معاوية حيث يقول" يا بني
أمية إياكم والغناء، فإنه يُنقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة،
وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه
النساء، فإن الغناء داعية الزنا " إغاثة اللهفان - (1 / 246)فما ذا يقول
الذين تصدح في بيوتهم أصوات الغناء بأصوات الرجال المتجملين تارة وبأصوات
النساء الساقطات تارة.

قال ابن القيم: ومن الأمر المعلوم عند القوم : أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء فحينئذ تعطي الليان

وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا فإذا كان الصوت بالغناء صار
انفعالها من وجهين : من جهة الصوت ومن جهة معناه .. ولهذا قال النبي لأنجشة
حادية : يا أنجشة رويدك رفقا بالقوارير يعني النساء

فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء

فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا وكم من حر أصبح به عبدا
للصبيان أو الصبايا وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا وكم من
معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا وكم جرع من غصة وأزال من
نعمة وجلب من نقمة وذلك منه من إحدى العطايا وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة
وغموم متوقعة وهموم مستقبلة, إغاثة اللهفان - (1 / 247)

ولئن كان هذا شيء من أثره فإن عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة كثيرة,فمن ذلك:

أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه فإن القرآن
والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد فإن القرآن ينهى عن
اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي وينهى عن
اتباع خطوات الشيطان والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه ويهيج النفوس إلى
شهوات الغي فيثير كامنها ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل قبيح ويسوقها إلى وصل
كل مليحة ومليح فهو والخمر رضيعا لبان وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان
فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه عقد الشيطان بينهما
عقد الإخاء الذي لا يفسخ وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ. إغاثة
اللهفان - (1 / 249)

ولربما رأيت الرجل الرزين إذا سمعه تأوه تأوه الحزين ولربما زعق كالمجانين ,
وحينها تعرف حكمة الشرع في تحريم مثل هذه الأغاني والشرور

وكم جرت هذه الأغاني من فساد حين لمّع الإعلام أهله فصار الساقطون
والساقطات أخبارهم تملأ الصفحات وتعقد لهم اللقاءات ولمّعهم على أنهم
القدوات,فأُشغل شباب الأمة بهذه الترهات وأولعوا بالسفاهات وكانت أخبار
وأسماء أهل الطرب والغناء هي آكد المحفوظات,والاقتداء بهم في هيئاتهم
ولباسهم من غير المستغربات والالتقاء بهم من أغلى الأمنيات وإذا كان هذا في
أثرهم على الأفراد فالمجتمعات عانت من هذه السموم ,ويكفي أنها معاصٍ جوهر
بها رب العالمين "وكل أمتي معافى إلا المجاهرين"

قال ابن القيم رحمه الله: والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب : أنه
ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله
عليهم العدو وبلوا بالقحط والجدب وولاة السوء والعاقل يتأمل أحوال العالم
وينظر والله المستعان مدارج السالكين - (1 / 500) وقال رحمه الله عن
المغنين:

وما امتلأت دارٌ من أصوات هؤلاءِ وألحانهم ، وأصوات معازفهم ورهجهم، إلاَّ
وأعقب ذلك من حزن أهلها ونكبتهم ، وحلول المصائب بساحتهم ، ما لا يفي بذلك
الشرور من غير إبطاء، وسل الوجود ينبيك عن حوادثه، والعاقل من اعتبر بغيره
(الكلام على مسألة السماع :ص348)

عباد الله :ولربما تساهل البعض في مثل هذا السماع بحجة أن من الناس من أفتى
بجوازه ,والواقع أننا نعيش في زمن أولع البعض بالبحث عن غرائب الأقوال
,ولم يكن هذا من منهج العلماء الربانيين ,ويعظم الإشكال يوم أن يتلقفه من
لايميزه ومن يبحث عمن يرخص له بغض النظر أكان له دليل أولا وهل أصاب في
استدلاله أولا

ولقد توارد العلماء بل الأئمة الأربعة على تحريم الغناء, بل حكى جمع من
العلماء الإجماع على تحريمه ,ولئن وجد من خالف من أفراد العلماء فإن
العلماء ردوا عليهم ,مع أن الخلاف كان في غناء ليس كما هو الحال في غناء
اليوم ,قال ابن رجب رحمه الله (وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة
من وضع الأعاجم، فمحرَّمٌ مجمعٌ على تحريمه، ولا يُعلم عن أحد منه الرخصة
في شيء من ذلك، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يُعتد به فقد كذب وافترى).

وقال ابن القيم رحمه الله: ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم
ذلك فأقل ما فيه : أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور إغاثة اللهفان - (1 /
228) وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : ما تقول في الغناء أحلال هو أم
حرام فقال : له : أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة فأين يكون
الغناء فقال الرجل : يكون مع الباطل فقال له ابن عباس : اذهب فقد أفتيت
نفسك.

قال ابن القيم:

فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح
الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات المطربات
فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه
أعظم قول فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته فمن
أبطل الباطل أن تأتي شريعة بإباحته) إغاثة اللهفان - (1 / 243)

وبعد هذا أيها الفضلاء :فليس للمرء أن يقول أترخص بكل قول وجد من المفتين
من أفتى به ,ولو تتبع المرء كل زلة لتجمع فيه الشر كله ,ومامن عالم إلا
ويؤخذ من قوله ويترك ,فيؤخذ منه العلم وتتقى الزلات التي خالف فيها عامة
العلماء ,ولاتهدم فضائله ,وقد أشرت لهذا ليتجلى الأمر ولقد أجاد ابن القيم
حين قال : ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم الغناء.

وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده أمابعد:

روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد
أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الله ومزامير الشيطان
أسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي" حادي الأرواح
إلى بلاد الأفراح - (551.1) وإذا كان هذا يفوت من سمع الغناء من نعيم
الجنة فقولوا لي أي ربح يربحه من سمع الغناء,وأي راحة تُنال والمرء خالف
أمر الله القائل(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةَ ضنكا) كم بين من يقرأ
القرآن ومن يستمع لرقية الشيطان ,همّ وغم وضجيج,وذاك أجر وطمأنينة وقلب
بهيج.

يامن طرق سمعَك الغناء ,سل نفسك بأي سمع سمعته ,أليس السمع نعمة ممن نهاك
عن الغناء فكم هو خسران أن تقابل إنعامه بالعصيان فتعصيه بنعمه وفي أرضه
وتحت نظره, انظر لمن حرموا السمع واشكر لمولاك وكن على حذر فكم من إنسان
كان سمعه نقمةً عليه.

ياأخي : كم هو غبن أن تبوء بآثام أناس تسببت في إسماعهم الغناء إن في بيتك
أو سيارتك أو ربما أفسدت عليهم صلاتهم بسبب الغناء من جوالك,وكم من امرئ
ربما رفع يديه داعيا عليك إذ آذيته بهذا الصوت الآثم

يا أيها المبارك :إن منا اليوم من يشكو من الغموم والهموم .,ومن يشكو من
تسلط الشياطين عليه ,ومن البلاء والشقاق في بيته ,وإذا كانت الملائكة
لاتدخل بيتآ فيه مزمور وغناء فلاعجب أن تكون البيوت حينهاعرضة للشياطين
ونشكو من قسوة قلوبنا وعدم أنسها بالقرآن ومن اسباب ذلك سماع مزامير
الشيطان ,ولقد قال الأول:

حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان

فياأُخي متى الخلاص ,ومتى تقول :انهينا ربنا انتهينا,أترضى أن تموت على
سماعه ,وكم من إنسان جاءه الأجل على ذلك فظل يردد كلمات من الغناء حتى خرجت
روحه,ومن مات على شيء بعث عليه.

كم من امرئ خرجت روحه وصوت الغناء يصدح في أذنيه فما أسوأها من ميتة، فإذا
أردت الطمأنينة والنجاة والسلامة فاهجر هذا البلاء وإن مالت نفسك لسماعه
وجاهد نفسك وخالف هواك ونق بيتك منه وصن سمعك عنه ,ولاتستهن بقليله ليسلم
لك قلبك وتبقى أعمالك وترضي مولاك وتنعم بأصوات غناء حور الجنة في أخراك
,ومحروم من آثر غناء الدنيا الآثم على غناء الجنة الدائم وشتان مابين
الصوتين,بل إن مابينهما أبعد ممابين المشرقين .عصمنا الله من البلاء وصان
أسماعنا من كل داء

التوقيع :::::::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::::::: ______________________________________________________________________________________________________
avatar
الإدارة والإشراف
الإدارة
الإدارة

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 445
نقاط : 3989
احترام القوانين :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
العمر : 29
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : أستاذ رياضيات

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

مُساهمة من طرف الإدارة والإشراف في 14/5/2011, 11:56 pm

وأصلحوا ذات بينكم
الخطبة الأولى :

أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ
ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ "

أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى الاختِلافِ وَتَعَدُّدِ
وُجهَاتِ النَّظَرِ ، وَمِن طَبِيعَةِ البَشَرِ أَن يَتَمَسَّكَ كُلٌّ
بِرَأيِهِ وَيَتَعَصَّبَ لَهُ ، إِلاَّ أَنَّ لِلشَّيطَانِ في ذَلِكَ
مَدَاخِلَ لإِفسَادِ ذَاتِ البَينِ ، حَيثُ يُوَسِّعُ رُقعَةَ الاختِلافِ
حَتى يَكُونَ شِقَاقًا وَنِزَاعًا ، وَيَنفُخُ في الآرَاءِ حَتى لا يَرَى
أَصحَابُهَا الصَّوَابَ إِلاَّ فِيهَا ، وَمِن ثَمَّ تَتَكَوَّنُ
المُشكِلاتُ بَينَ النَّاسِ ، وَتَنشَأُ في دُنيَاهُم قَضَايَا وَرَزَايَا ،
مِن قَتلٍ وَإِزهَاقِ أَروَاحٍ ، وَتَعَدٍّ عَلَى الأَموَالِ وَهَتكٍ
لِلأَعرَاضِ ، وَقَد تَتَجَاوَزُ الخِلافَاتُ الأَفرَادَ لِتَبلُغَ
الأُسَرَ ، وَقَد تَزِيدُ فَتَصِلُ إِلى القَبَائِلِ . وَمِن ثَمَّ يَجِيءُ
الإِصلاحُ بَردًا يُطفِئُ لَهِيبَ الخِلافِ ، وَعِلاجًا تُسَكَّنُ بِهِ
حَرَارَةُ النِّزَاعِ ، وَسَلامًا تُدفَنُ بِهِ العَدَاوَاتُ ، فَتَجتَمِعُ
القُلُوبُ وَتَأتَلِفُ الأَفئِدَةُ ، وَتَسكُنُ النُّفُوسُ وَتَزُولُ
الوَحشَةُ ، وَيَذهَبُ غَلَيَانُ الغَضَبِ وَتَخمُدُ فَورَةُ التَّعَصُّبِ ،
وَيَدخُلُ الرِّضَا عَلَى المُتَخَاصِمِينَ وَيَعُودُ الوِئَامُ إِلى
المُتَنَازِعِينَ .

وَلَقَد جَاءَ في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ التَّرغِيبِ في الإِصلاحِ وَالحَثِّ عَلَيهِ ،
مَا بِمِثلِهِ تَقوَى العَزَائِمُ عَلَى فِعلِ الخَيرِ ، وَتَتَشَوَّفُ
النُّفُوسُ لِبَذلِ المَعرُوفِ ، قَالَ اللهُ ـ تَعَالى ـ : " لا خَيرَ في
كَثِيرٍ مِن نجوَاهُم إِلاَّ مَن أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعرُوفٍ أَو
إِصلاحٍ بَينَ النَّاسِ " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَالصُّلحُ خَيرٌ "
وَقَالَ ـ جَلَّ وَعلا ـ : " فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم "
وَقَالَ ـ عَزَّ شَأنُهُ ـ : " إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا
بَينَ أَخَوَيكُم وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُرحمُونَ " وَقَالَ ـ
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم ـ : " كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ
صَدَقَةٌ ، كُلَّ يومٍ تَطلُعُ فِيهِ الشَّمسُ : تَعدِلُ بين الاثنَينِ
صَدقَةٌ ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتحمِلُهُ عَلَيهَا أَو
تَرفَعُ لَهُ عَلَيهَا مَتَاعهُ صَدقَةٌ ، وَالكَلِمَةُ الطَّيبةُ صدقَةٌ ،
وَبِكُلِّ خَطوَةٍ تَمشِيهَا إِلى الصَّلاةِ صَدقَةٌ ، وَتُمِيطُ الأَذَى
عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : "
أَلا أُخبِرُكُم بِأَفضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ
وَالصَّدَقَةِ ؟ " قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : " إِصلاحُ
ذَاتِ البَينِ " وَعَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ النَّبيَّ ـ
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ لأَبي أَيُّوبَ : " أَلا أَدُلُّكَ
عَلَى تِجَارَةٍ " قَالَ : بَلَى . قَالَ : " صِلْ بَينَ النَّاسِ إِذَا
تَفَاسَدُوا ، وَقَرِّبْ بَينَهُم إِذَا تَبَاعَدُوا " وَلَقَد بَلَغَ مِن
مَحَبَّةِ الإِسلامِ لِلصُّلحِ أَن أَجَازَ مِن أَجلِهِ الكَذِبَ
وَالتَّوَسُّعَ في الكَلامِ ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم ـ : "
لَيسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصلِحُ بَينَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيرًا أَو
يَقُولُ خَيرًا " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " لا
يَصلُحُ الكَذِبُ إِلاَّ في ثَلاثٍ : يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امرَأَتَهُ
لِيُرضِيَهَا ، وَالكَذِبُ في الحَربِ ، وَالكَذِبُ لِيُصلِحَ بَينَ
النَّاسِ " وَقَد حَرِصَ إِمَامُ الأُمَّةِ وَقَائِدُهَا وقُدوَتُهَا ـ
عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ عَلَى الصُّلحِ وَسَعَى فِيهِ وَبَاشَرَهُ
بِنَفسِهِ ، فَعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أَبي حَدْرَدٍ
دَينًا كَانَ لَهُ عَلَيهِ في عَهدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمَ ـ في المَسجِدِ ، فَارتَفَعَت أَصوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا
رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ في بَيتٍ ،
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيهِمَا
حَتَّى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِهِ فَنَادَى كَعبَ بنَ مَالِكٍ فَقَالَ : " يَا
كَعبُ " فَقَالَ : لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ
ضَعِ الشَّطرَ . فَقَالَ كَعبٌ : قَد فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ . فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : " قُمْ فَاقضِهِ "
وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ أَهلَ قُبَاءٍ
اقتَتَلُوا حَتى تَرَامَوا بِالحِجَارَةِ ، فَأُخبِرَ رَسُولُ اللهِ ـ
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِذَلِكَ فَقَالَ : " اِذهَبُوا بِنَا
نُصلِحْ بَينَهُم " وَعَنهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بَلَغَهُ أَنَّ بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ
كَانَ بَينَهُم شَرٌّ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمَ ـ يُصلِحُ بَينَهُم في أُنَاسٍ مَعَهُ ... " الحَدِيثَ ، وَفِيهِ
أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ تَأَخَّرَ مِن أَجلِ ذَلِكَ
عَن صَلاةِ الجَمَاعَةِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا وَعِظَمِ مَكَانَتِهَا .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، الإِصلاحُ بَينَ النَّاسِ مُهِمَّةٌ عَظِيمَةٌ
وَعَمَلٌ جَلِيلٌ ، لا يَقوَى عَلَيهِ إِلاَّ الرِّجَالُ الأَخيَارُ ، وَلا
يَتَحَمَّلُهُ إِلاَّ الأَسيَادُ الأَبرَارُ ، مِمَّن شَرُفَت أَقدَارُهُم
وَكَرُمَت أَخلاقُهُم ، وَطَابَت مَعَادِنُهُم وَزَكَت نُفُوسُهُم ،
وَقَدِ امتَدَحَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِذَلِكَ
الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ فَعَن أَبي بَكرَةَ ـ
رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى المِنبَرِ وَالحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إِلى جَنبِهِ
وَهُوَ يُقبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيهِ أُخرَى وَيَقُولُ : "
إِنَّ ابنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللهَ أَن يُصلِحَ بِهِ بَينَ
فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ المُسلِمِينَ " وَقَد كَانَ مِن أَمرِهِ ـ
رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ كَمَا قَالَ النَّبيُّ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ ـ حَيثُ قَدَّمَ مَصَالِحَ المُسلِمِينَ العَامَّةَ عَلَى
مَنفَعَةٍ خَاصَّةٍ ، وَآثَرَ البَاقِيَةَ عَلَى الفَانِيَةِ ، وَتَرَكَ
الرِّئَاسَةَ وَزَهِدَ في الزَّعَامَةِ ، وَتَنَازَلَ عَنِ الخِلافَةِ
لِمُعَاوِيَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ ـ حَقنًا لِدِمَاءِ
المُسلِمِينَ وَإِصلاحًا لِشَأنِهِم ، وَإِيثَارًا لِمَصلَحَةِ
اجتِمَاعِهِم وَائتِلافِ قُلُوبِهِم .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ : وَحِينَ يَتَرَقَّى أَصحَابُ المُرُوءَاتِ مِنَ
المُصلِحِينَ الأَخيَارِ لِيَبذُلُوا مِن أوقَاتِهِم وَيَغرَمُوا مِن
أَموَالِهِم وَيَصرِفُوا جَاهَهُم وَيُرِيقُوا مَاءَ وُجُوهِهِم ، فَقَد
قَدَّرَ الإِسلامُ لهم مُرُوءَتَهُم وَحَفِظَ مَعرُوفَهُم ، وَلم يَنسَ لهم
حُسنَاهُم وَلا جَمِيلَتَهُم ، فَجَعَلَ لهم في الزَّكَاةِ نَصِيبًا
لِئَلاَّ يُجْحِفَ بهم إِصلاحُهُم وَبَذلُهُم ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : "
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيهَا
وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفي سَبِيلِ
اللهِ وَابنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "
وَعَن قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ :
تَحَمَّلتُ حَمَالَةً فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمَ ـ أَسأَلُهُ فِيهَا ، فَقَالَ : " أَقِمْ حَتى تَأتِيَنَا
الصَّدَقَةُ فَنَأمُرَ لَكَ بها " ثم قَالَ: " يَا قَبِيصَةُ ، إِنَّ
المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ : رَجُلٌ تَحَمَّلَ
حَمَالَةً فَحَلَّت لَهُ المَسأَلَةُ حتى يُصِيبَهَا ثم يُمسِكَ ... "
الحَدِيثَ .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ : ذَلِكُم شَيءٌ مِن فَضلِ الصُّلحِ ، وَتِلكُم
جَوَانِبُ ممَّا وَرَدَ في الحَثِّ عَلَيهِ وَاهتِمَامِ الإِسلامِ بِهِ
وَتَكرِيمِ أَهلِهِ ، فَأَيُّ نَفسٍ بَعدَ ذَلِكَ تَأبَاهُ وَتُعرِضُ عَنهُ
؟ أَيُّ نَفسٍ تَرفُضُهُ وَلا تَسعَى فِيهِ ؟ إِنَّهُ لا يَزهَدُ فِيهِ
إِلاَّ أُنَاسٌ قَسَت قُلُوبُهُم وَفَسَدَت بَوَاطِنُهُم ، أُنَاسٌ سَاءَت
مَقَاصِدُهُم وَخَبُثَت نِيَّاتُهُم ، حَتى لَكَأَنَّهُم لا يُحِبُّونَ
إِلاَّ الشَّرَّ وَلا يَعِيشُونَ إِلاَّ عَلَيهِ ، وَلا يَسعَونَ إِلاَّ في
الفَسَادِ وَلا يَهَشُّونَ إِلاَّ لَهُ ، وَلا يَجنَحُونَ إِلاَّ إِلى
الظُّلمِ وَالبَغيِ وَالعُدوَانِ . إِنَّهُ حِينَ يُدعَى أَحَدٌ إِلى
الصُّلحِ فَلا يَقبَلُهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَوعٌ مِنَ القَسوَةِ في قَلبِهِ
، وَأَمَارَةٌ عَلَى تَعَالِيهِ عَلَى الحَقِّ وَرَغبَتِهِ عَنهُ ، وَهُوَ
مَا لا يَحتَمِلُهُ مُؤمِنٌ وَلا يَستَمِرُّ عَلَيهِ ذُو تَقوَى ، فَعَن
عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت : سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى
اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم ـ صَوتَ خُصُومٍ بالبَابِ عَالِيةٍ أَصواتُهُمَا ،
وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَستَوضِعُ الآخَرَ وَيَستَرفِقُهُ في شيءٍ وَهُوَ
يَقُولُ : واللهِ لا أَفعَلُ ، فَخَرَجَ عَلَيهِمَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى
اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : " أَينَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا
يَفعَلُ المَعرُوفَ ؟ " فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، فَلهُ أَيُّ
ذلِكَ أَحَبَّ .. وَالأَشَدُّ مِن ذَلِكَ وَالأَنكَى ـ أَيُّهَا
المُسلِمُونَ ـ أَن تَرَى فِئَاتٍ مِنَ النَّاسِ وَقَعَت مِن سُوءِ
الأَخلاقِ في الحَضِيضِ ، وَرَضِيَت بِأَن تَكُونَ مِن طَبَقَاتِ
المُجتَمَعِ في السُّفلِ ، فَلَم يَكتَفُوا بِالسُّكُوتِ وَالسُّكُونِ
وَالإِعرَاضِ ، فَجَعَلُوا مِن أَنفُسِهِم مَصدَرًا لِلشُّرُورِ وَمَنبِتًا
لِلعَدَاوَاتِ ، وَاتَّخَذُوهَا مَطَايَا لِنَقلِ الكَلامِ وَحَملِ
أَسبَابِ الخِصَامِ ، وَسَمَحُوا في مَجَالِسِهِم بِتَردِيدِ الشَّائِعَاتِ
وَتَلفِيقِ الأََكَاذِيبِ ، يُلهِبُونَ نَارَ الشَّحنَاءِ ، وَيُوقِدُونَ
سَعِيرَ البَغضَاءِ ، كُلَّمَا خَبَت نَارُ الفِتَنِ أَوقَدُوهَا
وَأَشعَلُوهَا ، فَلا غَروَ بَعدَ ذَلِكَ أَن تَضِيعَ الحُقُوقُ وَتُهدَرَ
الحُرُمَاتُ ، وَلا عَجَبَ أَن يَرِقَّ الدِّينُ وَتُنزَعَ البَرَكَاتُ ،
تُفسَدُ بُيُوتٌ وَتَتَفَكَّكُ أُسَرٌ ، وَتَطُولُ عَدَاوَاتٌ وَتَستَمِرُّ
ثَارَاتٌ ، وَكَم مِن دِمَاءٍ تُسفَكُ وَثَرَوَاتٍ تُبَدَّدُ ، وَنُفُوسٍ
تُشحَنُ وَصُدُورٍ تَضِيقُ ، وَقَد كَانَ بِالإِمكَانِ حَلُّ تِلكَ
القَضَايَا وَالقَضَاءُ عَلَى تِلكَ الأَمرَاضِ ، لَو أَنَّ المُسلِمِينَ
احتَسَبُوا الأَجرَ وَالثَّوَابَ ، وَسَارَعُوا إِلى الإِصلاحِ ولم
يَتَبَاطَؤُوا فِيهِ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ
وَأَصلِحُوا " وَلا تُطِيعُوا أَمرَ المُسرِفِينَ . الَّذِينَ يُفسِدُونَ
في الأَرضِ وَلا يُصلِحُونَ "

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، في مُجتَمَعِنَا كَمَا في غَيرِهِ مُشكِلاتٌ ،
وَهُنَا وَهُنَاكَ مُصلِحُونَ ، وَلَدَى النَّاسِ لِلصُّلحِ وَسَائِلُ
وَأَسَالِيبُ ، وَتَرَاهُم يَسلُكُونَ مِن أَجلِهِ كَثِيرًا مِنَ الطُّرُقِ
، غَيرَ أَنَّ هَذَا العَمَلَ الصَّالحَ الجَلِيلَ ، الَّذِي كَانَ مِن
تَمَامِ الدِّيَانَةِ وَرَجَاحَةِ العَقلِ أَن يُبَادَرَ بِهِ وَتُسَهَّلَ
أُمُورُهُ ، اِتَّخَذَ لَدَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَسَالِكَ أُخرَى
فِيهَا مِنَ التَّعقِيدِ وَالتَّأخِيرِ الشَّيءُ الكَثِيرُ ، وَقُصِدَت
بِهِ مَصَالحُ ذَاتِيَّةٌ دَنِيئَةٌ ، خَارِجَةٌ عَن أَهدَافِهِ
النَّبِيلَةِ وَمَقَاصِدِهِ السَّامِيَةِ ، فَجُعِلَ وَسِيلَةً لِلفَخرِ
وَإِعزَازِ النَّفسِ وَإِبدَاءِ الرِّفعَةِ ، وَإِهَانَةِ الطَّرَفِ
المُقَابِلِ وَإِرغَامِهِ وَإِذلالِهِ ، وَتَكلِيفِهِ مَا لا يُطِيقُ
وَالإِثقَالِ عَلَيهِ بما لا يَحتَمِلُ ، وَالسُّلُوكِ بِهِ في مَسَالِكَ
وَعِرَةٍ مُلتَوِيَةٍ ، وَإِدخَالِهِ سَرَادِيبَ مُظلِمَةٍ مُنتِنَةٍ ،
تَفرِضُهَا عَادَاتُ قَبَلِيَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ ، وَتُشَجِّعُ عَلَيهَا
رُسُومٌ وَقَوَانِينُ شَيطَانِيَّةٌ ، وَيَنفُخُ فِيهَا كُبَرَاءُ
مُتَكَبِّرُونَ مُتَعَالُونَ ، لا يَرَونَ الصُّلحَ إِلاَّ فُرصَةً
لإِبرَازِ أَنفُسِهِم عَلَى أَنَّهُم أَهلُ الحَلِّ وَالعَقدِ ، وَلا
يُرِيدُونَ بِهِ إِلاَّ الظُّهُورَ أَمَامَ النَّاسِ بِمَظهَرِ الآمِرِ
النَّاهِي ، وَمَا تِلكَ الخِيَامُ الَّتي تُنصَبُ وَالسُّرَادِقَاتُ
الَّتي تُقَامُ ، وَالأَضوَاءُ الَّتي تُشعَلُ وَالنَّعَمُ الَّتي تُذبَحُ ،
وَالبَطَرُ وَالأَشَرُ وَالإِسرَافُ ، وَالمُغَالاةُ في طَلَبِ الدِّيَةِ ،
حَيثُ تَبلُغُ مَلايِينَ الرِّيَالاتِ ، وَقَد تُلحَقُ بها أَشيَاءُ
عَينِيَّةٌ مِن أَسلِحَةٍ وَسَيَّارَاتٍ ، ثم إِلزَامُ أَولِيَاءِ
القَاتِلِ بِالحُضُورِ بِطَرِيقَةٍ فِيهَا مِنَ الإِهَانَةِ مَا فِيهَا ،
أَقُولُ : مَا كُلُّ ذَلِكَ إِلاَّ لِتَحمِيلِ أَولِيَاءِ القَاتِلِ
العَنَتَ وَإِلزَامِهِمُ المَشَقَّةَ ، وَكُلُّ هَذَا خِلافُ المَقَاصِدِ
الحَسَنَةِ لِلصُّلحِ في الإِسلامِ ، إِذْ إِنَّ المُبَالَغَةَ في عِوَضِ
العَفوِ عَنِ القِصَاصِ ، وَجَعلَ الصُّلحِ بِطَرِيقَةٍ فِيهَا إِرغَامٌ
وَإِهَانَةٌ وَإِذلالٌ ، مَا هُوَ إِلاَّ إِمعَانٌ في تَكرِيسِ العَدَاوَةِ
وَإِبقَائِهَا ، وَقَطعٌ لِلمَعرُوفِ بَينَ النَّاسِ ، إِذْ لا قِيمَةَ
لِعَفوٍ يَنجُو بِهِ الجَاني مِنَ القِصَاصِ ، وَتَهلِكُ بِسَبَبِهِ
أُسرَتُهُ وَقَبِيلَتُهُ بِإِرَاقَةِ مَاءِ الوَجهِ عَلَى أَبوَابِ
المُحسِنِينَ لأَجلِ تَوفِيرِ مَا اشتَرَطَهُ أَهلُ القَتِيلِ مِن عِوَضٍ
مُبَالَغٍ فِيهِ . وَلَقَد أَحسَنَتِ الدَّولَةُ ـ وَفَّقَهَا اللهُ ـ
صُنعًا ، إِذْ جَعَلَت ضَوَابِطَ لِلصُّلحِ يُقطَعُ بها دَابِرُ الجَشَعِ
وَالطَّمَعِ ، وَتُحتَرَمُ بها الأَحكَامُ الشَّرعِيَّةُ ، وَتُوقِفُ مَا
كَثُرَ في الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ مِن مُتَاجَرَةٍ بِالأَنفُسِ . فَمَا
أَحرَى المُسلِمِينَ أَن يَلتَزِمُوا مَا حَدَّدَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن
دِيَةٍ مَعلُومَةٍ ! وَمَا أَجمَلَ بهم أَن يَرفقُوا بِإِخوَانِهِم
وَيَرحَمُوهُم ! وَمَا أَجدَرَهُم أَن يَعفُوا وَيَصفَحُوا ابِتَغَاءَ
وَجهِ اللهِ وَطَلَبًا لما عِندَهُ مِنَ الأَجرِ ، لا طَلَبًا لِلفَخرِ
وَالرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ ! وَإِنَّهُ مَتى التَزَمَ المُسلِمُونَ
بِتَخفِيفِ مَا يَطلُبُونَهُ مُقَابِلَ العَفوِ عَمَّن استَوجَبَ القِصَاصَ
، فَستَسهُلُ إِجرَاءَاتُ العَفوِ ، إِذْ يَخِفُّ الحِملُ عَن كَاهِلِ
مُحِبِّي الخَيرِ مِنَ الأَغنِيَاءِ الَّذِينَ يَدفَعُونَ هَذِهِ
الأَموَالَ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، فَيُبَادِرُونَ إِلَيهَا
وَلا يَتَأَخَّرُونَ .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ الإِصلاحَ عَزِيمَةٌ رَاشِدَةٌ وَنِيَّةٌ
خَيِّرَةٌ ، وَإِرَادَةٌ مُصلِحَةٌ وَابتِغَاءُ ثَوَابٍ ، وَحَقنُ دَمٍ
وَقَطعُ عَدَاوَاتٍ ، يَقُومُ بِهِ لَبِيبٌ عَاقِلٌ مُتَّزِنٌ ، مُخلِصٌ
للهِ طَالِبٌ مَا عِندَهُ مِنَ الأَجرِ ، يَسُرُّهُ أَن يَسُودَ الوِئَامُ
بَينَ النَّاسِ ، لا تَدفَعُهُ أَهوَاءٌ شَخصِيَّةٌ ، وَلا يَرتَقِبُ
مَنَافِعَ دُنيَوِيَّةً ، لا يَقصِدُ بِإِصلاحِهِ التَّرَؤُّسَ
وَالرِّيَاءَ وَارتِفَاعَ الذِّكرِ وَالاستِعلاءِ ، وَإِنَّمَا هَمُّهُ
مَرضَاةُ اللهِ وَإِصلاحُ ذَاتِ البَينِ " وَمَن يَفعَلْ ذلِكَ ابتَغَاءَ
مَرضَاةِ اللهِ فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجرًا عَظِيمًا " أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاحرِصُوا عَلَى الصُّلحِ بَينَ
المُتَخَاصِمِينَ ، وَاحذَرُوا كُلَّ مَا خَالَفَ الشَّرعَ المُطَهَّرَ
مِنَ العَادَاتِ ، فَقَد جَاءَ في الحَدِيثِ مَرفُوعًا : " الصُّلحُ
جَائِزٌ بَينَ المُسلِمِينَ ، إِلاَّ صُلحًا حَرَّمَ حَلالاً أَو أَحَلَّ
حَرَامًا"

التوقيع :::::::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::::::: ______________________________________________________________________________________________________
avatar
الإدارة والإشراف
الإدارة
الإدارة

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 445
نقاط : 3989
احترام القوانين :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
العمر : 29
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : أستاذ رياضيات

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موقع ممتاز جدا للخطب المكتوبة

مُساهمة من طرف الإدارة والإشراف في 14/5/2011, 11:57 pm

خشية الله والخوف منه
<blockquote>


عبدالحميد التركستاني
</blockquote>


ملخص الخطبة

1- جرأة الناس على معاصي الله. 2- الخوف من
الله صفة المؤمنين ، وتتافوة هذه الصفة بقدر إيمانهم. 3- مراتب
الخوف. 4- أقوال السلف في الخوف. 5- أحوال السلف في الخوف. 6-
ضعف جانب الخوف عند آخرين. 7- مم خاف السلف وبكوا؟

الخطبة الأولى



أما بعد:




أيها الناس: اتقوا الله تعالى وخافوه واخشوه وحده ولا تخشوا أحدا
غيره وكما قال الفضيل: من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير
الله لم ينفعه أحد قال تعالى:

فلا تخشوا الناس واخشون
،

فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين
.




أيها الإخوة: سوف يكون حديثي في هذه الخطبة عن مقام الخوف من
الله عز وجل وسبب اختياري لهذا الموضوع هو ما أراه وأشاهده من
بعد الناس عن الله وتجرؤهم عليه بأنواع المعاصي والذنوب التي ما
ارتكبها هؤلاء الناس إلا بسبب ضعف جانب الخوف من الله في قلوبهم
وبسبب غفلتهم عن الله ونسيان الدار الآخرة، فالخوف من الله هو
الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة وقلّ أن يثبت غير هذا
الحاجز أمام دفعات الهوى والشهوة والغفلة فالخوف هو الذي يهيج في
القلب نار الخشية التي تدفع الإنسان المسلم إلى عمل الطاعة
والابتعاد عن المعصية.



ولهذا إذا زاد
الإيمان في قلب المؤمن لم يعد يستحضر في قلبه إلا الخوف من الله،
والناس في خوفهم من الله متفاوتون ولهذا كان خوف العلماء في أعلى
الدرجات وذلك لأن خوفهم مقرون بمعرفة الله مما جعل خوفهم مقرون
بالخشية كما قال تعالى:
إنما يخشى الله من عباده العلماء

والخشية درجة أعلى وهي أخص من الخوف، فالخوف لعامة المؤمنين
والخشية للعلماء العارفين وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية،
كما قال النبي

:
((إني لأعلمكم بالله وأشدكم له
خشية))
وقال: ((لو تعلمون ما
أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش
ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله))
قال الإمام أحمد:
هذا يدل على أن كل من كان بالله أعرف كان منه أخوف. والخوف: هو
اضطراب القلب ووجله من تذكر عقاب الله وناره ووعيده الشديد لمن
عصاه والخائف دائما يلجأ إلى الهرب مما يخافه إلا من يخاف من
الله فإنه يهرب إليه كما قال أبو حفص: الخوف سراج في القلب به
يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله
عز وجل، فإنك إذا خفته هربت إليه. فالخائف هارب من ربه إلى ربه
قال تعالى:
ففروا إلى الله إني لكم منه نذير
مبين
، قال أبو سليمان الداراني:
ما فارق الخوف قلبا إلا خرب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن
الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.





وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال
عنهم الخوف ضلوا الطريق. وقال أبو حفص: الخوف سوط الله، يقّوم به
الشاردين عن بابه.




والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه ويبن محارم الله عز وجل
فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، ولهذا قال شيخ الإسلام
ابن تيميه: الخوف المحمود: هو ما حجزك عن محارم الله وهذا الخوف
من أجلّ منازل السير إلى الله وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد.




ومن كان الخوف منه
بهذه المنزلة سوف يحجزه خوفه عن المعاصي والمحرمات فلا يأكل مالا
حراما ولا يشهد زورا، ولا يحلف كاذبا، ولا يخلف وعدا ولا يخون
عهدا ولا يغش في المعاملة ولا يخون شريكه ولا يمشي بالنميمة، ولا
يغتاب الناس ولا يترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولا يزني ولا يلوط ولا يتشبه بالنساء ولا يتشبه بالكفرة أعداء
الدين ولا يتعاطى محرما ولا يشرب المسكرات ولا المخدرات ولا
الدخان ولا الشيشة ولا يهجر مساجد الله ولا يترك الصلاة في
الجماعة ولا يضيع أوقاته في اللهو والغفلة بل تجده يشمر عن ساعد
الجد يستغل وقته كله في طاعة الله ولهذا قال

:
((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل
ألا وإن سلعة الله غالية ألا وإن سلعة الله هي الجنة))

رواه الترمذي وهو حديث حسن والمراد بهذا الحديث التشمير في
الطاعة والاجتهاد من بداية العمر لأن الجنة غالية تحتاج إلى ثمن
باهظ ومن سعى لها وعمل صالحا وسار من أول الطريق نال بغيته إن
شاء الله.




ولهذا كان السلف الصالح يغلّبون جانب الخوف في حال الصحة والقوة
حتى يزدادوا من طاعة الله ويكثروا من ذكره ويتقربوا إليه
بالنوافل والعمل الصالح.




أيها الإخوة: إن رجحان جانب الخوف من الله في قلب المؤمن هو وحده
الذي يرجح الكفة وهو وحده الذي يعصم من فتنة هذه الدنيا وبدون
الخوف لا يصلح قلب ولا تصلح حياة ولا تستقيم نفس ولا يهذب سلوك
وإلا فما الذي يحجز النفس البشرية عن ارتكاب المحرمات من زنى
وبغى وظلم وركون إلى الدنيا غير الخوف من الله، وما الذي يهدئ
فيها هيجان الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع؟ وما الذي يثبت
النفس في المعركة بين الحق والباطل وبين الخير والشر؟ وما الذي
يدفع الإنسان إلى تقوى الله في السر والعلن سوى خوف الله، فلا
شيء يثبت الإيمان عند العبد رغم الأحداث وتقلبات الأحوال في هذا
الخضم الهائج إلا اليقين في الآخرة والإيمان بها والخشية والخوف
مما أعده الله من العذاب المقيم لمن خالف أمره وعصاه. فتذكر
الآخرة في جميع الأحوال والمناسبات والظروف يجعل عند الإنسان حسا
مرهفا يجعله دائم اليقظة جاد العزيمة دائم الفكر فيما يصلحه في
معاشِه ومعادِه كثير الوجل والخوف مما سيؤول إليه في الآخرة، ففي
كتاب الزهد للإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قلت ليزيد!
ما لي أرى عينيك لا تجفّ؟ قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا
عصيته أن يسجنني في النار، والله لو توعدني أن يسجنني في الحمام
لكان حريا أن لا يجف لي دمع.



وروى ضمرة عن حفص بن
عمر قال: بكى الحسن البصري فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن
يطرحني في النار غدا ولا يبالي. ولهذا من خاف واشتد وجله من ربه
في هذه الدنيا يأمن يوم الفزع الأكبر فعن أبي هريرة
عن النبي


فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال:
((وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا
أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة))

رواه أبن حبان في صحيحه.



أيها الأخوة: لقد
عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة عاشوا مشاهد الآخرة
فعلا وواقعا كأنهم يرونها حقيقة ولم يكن في نفوسهم استبعاد لذلك
اليوم بل كان يقينهم بذلك اليوم واقعا تشهده قلوبهم وتحسّه وتراه
وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول
وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بطاعة الله وكأن النار إنما خلقت
لهم قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد
العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما. وحق لهما أيها الإخوة ولكل
مؤمن أن يخاف من النار وأن يستعيذ بالله منها لأن الخبر ليس
كالمعاينة يقول :
((لو يعلم المؤمن ما عند الله من
العقوبة ما طمع بجنته أحد))
رواه مسلم وقال في وصف النار
محذرا منها: ((نار الدنيا جزء من
سبعين جزءا من نار جهنم))
ولهذا كان سلفنا الصالح رضوان
الله عليهم إذا رأى أحدهم نارا اضطرب وتغير حاله فهذا عبد الله
بن مسعود

مر على الذين ينفخون على الكير فسقط مغشيا عليه وهذا الربيع بن
خثيم رحمه الله مر بالحداد فنظر إلى الكير فخر مغشيا عليه، وكان
عمر بن الخطاب

ربما توقد له نار ثم يدني يديه منها ويقول: (يا ابن الخطاب هل لك
صبر على هذا). وكان الأحنف رضي الله عنه: يجئ إلى المصباح بالليل
فيضع إصبعه فيه ثم يقول: (حس، حس ثم يقول يا حنيف، ما حملك على
ما صنعت يوم كذا وكذا يحاسب نفسه) وفي الحديث:
((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم))
.




أيها الاخوة :إن أمر القيامة أمر عظيم رهيب، يرجّ القلب ويرعب
الحس رعبا مشاهده يرجف لها القلوب والله سبحانه أقسم على وقوع
هذا الحادث لا محالة فقال في سورة الطور

إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع
فهو واقع
حتما، لا يملك دفعه أحد أبدا والأمر داهم قاصم ليس منه دافع ولا
عاصم كما أن دون غد الليلة، فما أعددنا لذلك اليوم، وما قدمنا له
وهل جلس كل منا يحاسب نفسه ما عمل بكذا وما أراد بكذا بل الكل
ساهٍ لاه، والكل في سكرته يعمهون ويلعبون ويضحكون ويفسقون
ويفجرون وكأن أحدهم بمنأى من العذاب وكأنهم ليس وراءهم موتا ولا
نشورا ولا جنة ولا نارا
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم
عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين

يقول الحسن البصري رحمه الله: (إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم
نفسه ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي ما أردت بحديثي، وإن الفاجر
يمضي قدما ما يعاقب نفسه). فحقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو
فيها يحاسب نفسه ويتذكر ذنوبه ويستغفر منها.




أيها الأحبة: لقد كان المسلمون يعيشون مع القرآن فعلا وواقعا
عاشوا مع الآخرة واقعا محسوسا، لقد كانوا يشعرون بالقرآن ينقل
إليهم صوت النار وهي تسري وتحرق وإنه لصوت تقشعر منه القلوب
والأبدان كما أحس عليه الصلاة والسلام برهبة هذا الأمر وقوته حتى
أنه وعظ أصحابه يوما فقال: ((إني أرى
ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحق لها أن تئط ما
فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله عز وجل، والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء
على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني
شجرة تعضد))
رواه البخاري وفي رواية قال:
((عرضت علي الجنة والنار فلم أرى
كاليوم في الخير والشر))
ثم ذكر الحديث فما أتى على أصحاب
رسول الله يوم أشد منه غطوا رؤوسهم
ولهم خنين و الخنين هو البكاء مع غنّه، ولطول المطلع وشدة الحساب
وتمكن العلم والمعرفة لدى رسول الله
تمنى أن يكون شجرة تقطع وينتهي أمرها فكيف بنا نحن؟ عجبا لنا
نتمنى على الله الأماني مع استهتارنا بالدين وبالصلاة وبكل شيء
فماذا نرجو في الآخرة؟ وكما قيل:



يـا آمنـا مـع
قبـح الفعـل منـه هل






أتاك توقيـع أمـن أنت تملكه






جمـعت شيئيـن أمنـا و اتبـاع هـوى




هذا وإحداهما في المرء تهلكه





والمحسنون على
درب الخوف قد ساروا






و ذلـك درب لسـت تسلـكه





فرطـت في الـزرع
وقت البذر من سفه






فكيف عند حصاد الناس تدركه





هذا وأعـجب شيء
فيـك زهـدك فـي






دار البقاء بعيش سوف تتركه






نعم والله هذا حال الكثير من الناس اليوم لا يريدون أن يعملوا
ولا يريدون أن يتذكروا فإذا ذكرت لهم النار قالوا: لا تقنط
الناس، وهذا والله هو العجب العجاب يريدون أن يبشروا بالجنة ولا
يذكروا بالقيامة وأهوالها ولا بالنار وسمومها وعذابها وهم على ما
هم فيه من سيئ الأعمال وقبيح الصفات، قال: الحسن البصري: لقد مضى
بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا
ينجو من عظم ذلك اليوم، وقد ورد في الترمذي عن أبي هريرة
عن النبي
أنه قال: ((ما رأيت مثل النار نام
هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها))
والسبب في ذلك ضعف
جانب الخوف عند هؤلاء، لقد كان بعض السلف من شدة خوفه ووجله
وكثرة تفكيره في أحواله الآخرة لا يستطيع النوم ولا الضحك ولا
اللهو حتى يعلم أهو من الناجين أم لا، فهذا شداد بن أوس
كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه
لا يأتيه النوم ويقول (الله إن النار أذهبت مني النوم فيقوم يصلي
حتى يصبح)، وهذا منصور بن المعتمر كان كثير الخوف والوجل كثير
البكاء من خشية الله قال عنه زائدة بن قدامة: إذا رأيته قلت: هذا
رجل أصيب بمصيبة ولقد قالت له أمه: ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكى
عامة الليل، لا تكاد أن تسكت لعلك يا بنيّ أصبت نفسا، أو قتلت
قتيلا؟ فقال: يا أمه أنا أعلم بما صنعت نفسي، وهذا معاذ بن جبل
لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له:
أتبكي وأنت صاحب رسول الله وأنت
وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعاً من الموت أن حل بي ولا دنيا تركتها
بعدي، ولكن هما القبضتان، قبضة في النار وقبضة في الجنة فلا أدري
في أي القبضتين أنا. يقول الحسن بن عرفه: رأيت يزيد بين هارون
بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعد ذلك بعين واحدة ثم
رأيته بعد ذلك وقد ذهبت عيناه فقلت له: يا أبا خالد ما فعلت
العينان الجميلتان، فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار.




والبكاء من خشية الله سمة العارفين قال عبد الله بن عمرو بن
العاص : لأن أدمع دمعة من خشية الله
أحب إلي من أن أتصدق بمئة ألف درهم.




ولما جاء عقبة بن عامر إلى النبي
يسأله: ما النجاة؟ نعم والله ما النجاة كيف ننجو من عذاب الله؟
فقال له: ((أمسك عليك لسانك وليسعك
بيتك وابك على خطيئتك))
وفي رواية قال:
((طوبى لمن ملك نفسه ووسعه بيته وبكى
على خطيئته))
.




وقد بين أن من بكى من خشية الله فأن
الله يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال
((...ورجل ذكر الله خاليا ففاضت
عيناه))
بل حرم الله النار على من بكى من خشيته قال
: ((لا
يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع))
،
وفي رواية قال: ((حرمت النار على عين
دمعت أو بكت من خشية الله))
وكلا الحديثين صحيح.





وفي الأثر الإلهي: ((ولم يتعبد إلي
المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي))
.




أيها المسلمون :إن سلفنا الصالح كانوا يتوجهون إلى الله في خشية
وبكاء ووجل وطمع الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته والخوف من
غضبه والطمع في رضاه والخوف من معصيته والطمع في توفيقه

يدعون ربهم خوفا وطمعا
والتعبير القرآني يصور هذه
المشاعر المرتجفة في الضمير بلمسة واحدة حتى لكأنها مجسّمة
ملموسة
إنهم كانوا يسارعون في الخيرات
ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين
إنها الصورة المشرقة المضيئة لسلفنا الصالح رضوان الله
عليهم كانوا يخافون ويرجون وكانوا يبكون حتى يؤثر فيهم البكاء
فبكاؤهم ثمرة خشيتهم لله قال تعالى عنهم:

ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا
وقال أيضا:

والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل
ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ،

فبالخوف والخشية تحترق الشهوات وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب
الذبول والخشوع والذلة والاستكانـة والتواضع والخضوع، ويفارق
الكبر والحسد، بل يصير مستوعب الهم يخوفه والنظر في خطر عاقبته،
فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة
والمجاهدة والمحافظة على الأوقات واللحظات ومؤاخذة النفس
بالخطرات والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع
ضار لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك، فيكون ظاهره
وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره. هذا حال من
غلبه الخوف واستولى عليه وهكذا كان حال جماعة من الصحابة
والتابعين يقول بلال بن سعد: عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم
أن شيئا من أعمالكم تقبلت منكم أو شيء من خطاياكم غفرت لكم والله
لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم من
العبادة، وتنافسون في جنة
أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين
اتقوا وعقبى الكافرين النار
،
ويقول أيضا: رب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر، فويل لمن بان له
الدليل ولا يشعر يأكل ويشرب ويضحك، وقد حق عليه في قضاء الله عز
وجل أنه من أهل النار فيا ويل لك روحا والويل لك جسدا فلتبك
ولتبك عليك البواكي لطول الأبد. فبمثل هذه العبارات كان الرسول
وكان السلف يجاهدون أنفسهم ويعظون غيرهم حتى ينتبه الناس من
غفلتهم ويصحوا من رقدتهم ويفيقوا من سكرتهم رجاء أن يدركوا من
سبقهم إلى الطريق المستقيم ويكون الخوف دافعا لهم على الاستقامة
ما كانوا على وجه الأرض أحياء مكلّفين.




وفي الختام أحب أن أذكر نماذج من خوف بعض الصحابة والتابعين:




فهذا أبو بكر


أفضل رجل في هذه الأمة بعد رسول الله نظر إلى طير وقع على شجرة
فقال: ما أنعمك يا طير، تأكل وتشرب وليس عليك حساب وتطير ليتني
كنت مثلك، وكان

كثير البكاء وكان يمسك لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد)
وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله، وهذا عمر الرجل
الثاني بعد أبي بكر قال لابنه عبد الله وهو في الموت: (ويحك ضع
خدي على الأرض عساه أن يرحمني ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفر لي
ويل أمي إن لم يغفر لي)، وأخذ مرة تبنة من الأرض فقال: (ليتني
هذه التبنة ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت
منسيا)، وكان يمر بالآية من ورده
بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما معاد يحسبونه مريضا، وكان
في وجهه خطان أسودان من البكاء، وهذا عثمان
كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل
لحيته وقال: (لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر
بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصيرُ)، وهذا
علي كما وصفه ضرار بن ضمرة الكناني
لمعاوية يقول: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا،
ويحكم عدلا، ويتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه
يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير
الدمعة طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما
قصر ومن الطعام ما خشن كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه
ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه
هيبة له فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل
سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته يضطرب ويتقلب
تقلب الملسوع ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه وهو يقول: يا ربنا
يا ربنا، يتضرع إليه يقول للدنيا: إلي تعرضت، إلي تشوفت، هيهات
هيهات غري غيري قد طلقتك ثلاثا فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك
يسير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع
معاوية على لحيته ما يملكها وجعل
ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء وهو يقول: هكذا والله كان
أبو الحسن.




وهذا ابن عباس كان أسفل عينيه مثل
الشّراك البالي من البكاء.




وهذا أبو عبيدة يقول عن نفسه: وددت
أني كنت كبشا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي، وهكذا كان
حال صحابة رسول الله مع أنهم كانوا مبشرين بالجنة فهذا علي رضي
الله عنه يصفهم ويقول: لقد رأيت أصحاب محمد
فلم أرَ أحدا يشبههم منكم لقد كانوا
يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا أو قياما، يراوحون بين جباههم
وخدودهم، ويقعون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب
العزي من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبتل جيوبهم
ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء
للثواب. وهذا سفيان الثوري رحمه الله يقول: والله لقد خفت من
الله خوفا أخاف أن يطير عقلي منه وإني لا أسأل الله في صلاتي أن
يخفف من خوفي منه.




أيها الإخوة: هل من مشمر؟ هل من خائف؟ هل من سائر إلى الله؟ بعد
هذا الذي سمعناه أرجو أن نكون مثل سلفنا علما وعملا خوفا ورجاء
ومحبة فإن فعلنا ذلك كنا صادقين وكنا نحن المشمرين إن شاء الله.


الخطبة الثانية


الحمد لله وحده
والصلاة و السلام على من لا نبي بعده.






ثم أما بعد:




أيها الإخوة: لم يكن سلفنا الصالح يخافون ويبكون ويتضرعون نتيجة
تقصيرهم أو نتيجة عصيانهم وكثرة ذنوبهم، كلا بل كانوا يخافون أن
لا يتقبل الله منهم ولهذا لما سألت عائشة رضي الله عنها رسول
الله عن قوله تعالى:

والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
أنهم إلى ربهم راجعون
أهو الذي
يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: ((لا
يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل
منه))
، قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها
وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية وإن المنافق
جمع إساءة وأمنا.




وكان خوفهم أيضا من أن يسلب أحدهم الإيمان عند قوته يقول ابن
المبارك: إن البصراء لا يأمنون من أربع خصال: ذنب قد مضى لا يدري
ما يصنع الرب فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكات، وفضل
قد أعطي لعله مكر واستدراج وضلالة قد زينت له فيراها هدى ومن زيغ
القلب ساعة ساعة أسرع من طرفة عين قد يسلب دينه وهو لا يشعر.





وهذا سفيان الثوري رحمه الله كان يكثر البكاء فقيل له: يا أبا
عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب، فأخذ سفيان تبناً وقال:
والله للذنوب أهون على الله من هذا ولكن أخاف أن أسلب التوحيد.
وهذا أبو هريرة كان يقول في آخر
حياته: (اللهم إني أعوذ بك أن أزني أو أعمل كبيرة في الإسلام)،
فقال له بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومثلك يقول هذا أو يخافه وقد
بلغت من السن ما بلغت وانقطعت عنك الشهوات، وقد شافهت النبي
وبايعته وأخذت عنه، قال: (ويحك، وما
يؤمنني وإبليس حي).




وكان بلال بن سعد يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من زيغ
القلوب، وتبعات الذنوب ومن مرديات الأعمال ومضلات الفتن، قال أبو
الدرداء : (مالي لا أرى حلاوة الإيمان
تظهر عليكم، والله لو أن دب الغابة وجد طعم الإيمان لظهر عليه
حلاوته، ما خاف عبد على إيمانه إلا منحه وما أمن عبد على إيمانه
إلا سلبه) وكان من دعائه : (يا مقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك
وطاعة رسولك)، ولما احتضر عمر بن قيس، الملائي بكى فقال له
أصحابه: على ما تبكي من الدنيا فوالله لقد كنت غضيض العيش أيام
حياتك فقال: والله ما أبكي على الدنيا وإنما أبكي خوفا من أن
أحرم الآخرة.




يقول الإمام الغزالي: ولا يسلم من أهوال يوم القيامة إلا من أطال
فكره في الدنيا فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد فمن خاف هذه
الأهوال في الدنيا أمنها في الآخرة وليست أعني بالخوف رقة كرقة
النساء تدمع عينيك ويرق قلبك حال الموعظة ثم تنساه على القرب،
وتعود إلى لهوك ولعبك، فما هذا من الخوف في شيء فمن خاف شيئا هرب
منه، ومن رجا شيئا طلبه، فلا ينجيك إلا خوف يمنعك من المعاصي
ويحثك على الطاعة، وأبعد من رقة النساء خوف الحمقى إذا سمعوا
الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم: استعنت بالله
اللهم سلم سلم، وهم مع ذلك مصرون على المعاصي التي هي سبب
هلاكهم، فالشيطان يضحك من استعاذته كما يضحك على من يقصده سبع
ضار في صحراء ووراءه حصن فإذا رأى أنياب السبع وصرلته من بعد
قال بلسانه: أعوذ بهذا الحصن الحصين وأستعين بشدة بنيانه وإحكام
أركانه، فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد في مكانه فأني يغني عنه ذلك
من السبع وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول: لا إله إلا
الله صادقا ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله تعالى ولا
معبود غيره)، فالله أسأل أن يجعلنا ممن إذا خافه أطاعه وابتعد عن
معاصيه.




موقع المنبر

التوقيع :::::::::: مدرسة عوني الحرثاني الأساسية للبنين :::::::::: ______________________________________________________________________________________________________
avatar
الإدارة والإشراف
الإدارة
الإدارة

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 445
نقاط : 3989
احترام القوانين :
0 / 1000 / 100

تاريخ التسجيل : 23/04/2010
العمر : 29
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : أستاذ رياضيات

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى